فخر الدين الرازي
617
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
[ سورة القلم ( 68 ) : آية 49 ] لَوْ لا أَنْ تَدارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَراءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ( 49 ) وقرئ ( رحمة من ربه ) ، وهاهنا سؤالات : السؤال الأول : لم لم يقل : لولا أن تداركته نعمة من ربه ؟ الجواب : إنما حسن تذكير الفعل لفصل الضمير في تداركه ، وقرأ ابن عباس وابن مسعود تداركته ، وقرأ الحسن : تداركه ، أي تتداركه على حكاية الحال الماضية ، بمعنى لولا أن كان ، يقال : فيه تتداركه ، كما يقال : كان زيد سيقوم فمنعه فلان ، أي كان يقال فيه : سيقوم ، والمعنى كان متوقعا منه القيام . السؤال الثاني : ما المراد من قوله : نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ ؟ الجواب : المراد من تلك النعمة ، هو أنه تعالى أنعم عليه بالتوفيق للتوبة ، وهذا يدل على أنه لا يتم شيء من الصالحات والطاعات إلا بتوفيقه وهدايته . السؤال الثالث : أين جواب لولا ؟ الجواب : من وجهين الأول : تقدير الآية : لولا هذه النعمة لنبذ بالعراء مع وصف المذمومية ، فلما حصلت هذه النعمة لا جرم لم يوجد النبذ بالعراء مع هذا الوصف ، لأنه لما فقد هذا الوصف فقد فقد ذلك المجموع الثاني : لولا هذه النعمة لبقي في بطن الحوت إلى يوم القيامة ، ثم نبذ بعراء القيامة مذموما ، ويدل على هذا قوله : فَلَوْ لا أَنَّهُ كانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ ، لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ [ الصافات : 143 ، 144 ] وهذا كما يقال : عرصة القيامة ؛ وعراء القيامة . السؤال الرابع : هل يدل قوله : وَهُوَ مَذْمُومٌ على كونه فاعلا للذنب ؟ الجواب : من ثلاثة أوجه الأول : أن كلمة لولا : دلت على أن هذه المذمومية لم تحصل الثاني : لعل المراد من المذمومية ترك الأفضل ، فإن حسنات الأبرار سيئات المقربين الثالث : لعل هذه الواقعة كانت قبل النبوة لقوله : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ [ القلم : 50 ] والفاء للتعقيب . السؤال الخامس : ما سبب نزول هذه الآيات ؟ الجواب : يروى أنها نزلت بأحد حين حل برسول اللّه ما حل ، فأراد أن يدعوا على الذين انهزموا ، وقيل : حين أراد أن يدعو على ثقيف . [ سورة القلم ( 68 ) : آية 50 ] فَاجْتَباهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ ( 50 ) فيه مسألتان : المسألة الأولى : في الآية وجهان أحدهما : قال ابن عباس : رد اللّه إليه الوحي وشفعه في قومه والثاني : قال قوم : ولعله ما كان رسولا صاحب وحي قبل هذه الواقعة ثم بعد هذه الواقعة جعله اللّه رسولا ، وهو المراد من قوله : فَاجْتَباهُ رَبُّهُ والذين أنكروا الكرامات والإرهاص لا بد وأن يختاروا القول الأول . لأن احتباسه في بطن الحوت وعدم موته هناك لما لم يكن إرهاصا ولا كرامة فلا بد وأن يكون معجزة وذلك يقتضي أنه كان رسولا في تلك الحالة . المسألة الثانية : احتج الأصحاب على أن فعل العبد خلق اللّه تعالى بقوله : فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ فالآية تدل على أن ذلك الصلاح إنما حصل بجعل اللّه وخلقه ، قال الجبائي : يحتمل أن يكون معنى جعله أنه أخبر بذلك ، ويحتمل أن يكون لطف به حتى صلح إذ الجعل يستعمل في اللغة في هذه المعاني والجواب : أن هذين